قصة اليوم تأتي بصورة أخرى للمرأة الشرقية في المهجر، صورة المرأة المسلمة إسلاماً حقيقياً، المرأة التي تحارب وتقاوم من اجل المحافظة على دينها، وتحارب ايضاً من اجل بقاء كل من هو مسلم على دينه، وعاداته وتقاليده العربية، فهذه المرأة، قوية استمدت قوتها من دينها الذي لا تخالف تعاليمه ابداّ، فهي امراة ليست بمتطرفة ، ولا متعصبة ابداً هي لا تقول ولا تأتي بفعل الا كان له مبرر حقيقي في الدين، لذلك سنرى كيف ان شخصية مريم تتغير تماما بوجود هاته المرأة القوية بدينها، التي تكون دائما ناقوساً لمن حولها، وآمال هنا هي شخصية حقيقية، ولكن تحمل اسماً آخراً.
الحلقة الثانية
الصديق الصدوق
نظرت مريم الى الساعة، عقاربها لا تتحرك ، هي تنتظر حلول الساعة الثالثة عصراً، لتذهب الى المطار لإستقبال صديقتها " آمال" ، حيث ستأتي بصحبة اطفالها الاربع، الذين تحبهم مريم حباً كأنما لو كانوا أولادها، فآمال صديقة عُمر، عاشتا سوياً لسنوات طويلة،
وكم تشتاق مريم لرفقة آمال،
وبينما هي تنتظر، سرحت بعقلها بعيداً الى تلك الأيام التي جمعتها مع آمال،
الجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث درست مريم هناك " العلوم الاقتصادية والمالية"،
في اول يوم دراسة، كانت الساحة الداخلية للجامعة غريبة عليها، لكنها وجدت وجها جميلا ينظر اليها، وشعرت انها وجدت كنزا يومها، جاءت فتاة لم ترى مريم بجاذبيتها أبداً، وقالت بطريقة مرحة : انا آمال طالبة في السنة الاولى مكرر،
مريم : انا مريم ، طالبة في السنة الاولى لأول مرة،
آمال: لا تخافي انا لست فاشلة ، لكن حدث لي حادث سير فلم استطع الالتحاق بامتحانات السنة الماضية،
مريم : ان شاء الله تكوني بخير الان
آمال: تعالي اعرفك على اصدقائي، هم بمجرد ان وقعت أعينهم عليك قالوا لي اختك الصغرى أتت،
مريم: هل اختك تشبهني
آمال : تعالي وستعرفي، واظن انك تحتاجين لفحص نظر
لم تلحظ مريم التشابه الكبير بينهما، ربما الفرق يكمن في أن مريم أطول قامة من آمال، وأقل نحولاً.
كان ذلك اول يوم لهما معاً، وها هي الايام تمر ، اثنا عشر سنة مرت دون ان يحدث اي سوء فهم بينهما، فكلتاهما كانت تواقة لأن تجد صديقة تفهمها من أول لقاء، فحنين الانسان منا للصديق اقوى من حنينه للحب، فالصديق هو كل الحب وكل الوفاء،
استفاقت مريم من غفلتها، لترى الساعة، ووجدتها اقتربت من الثالثة، وفوراً توجهت الى المطار.
ها هي آمال تظهر من بعيد، وتحمل على يدها ابنها الصغير، أما باقي الاطفال الثلاثة، فقد ركضوا الى خالتهم مريم فهم ينادونها بخالتي، واحتضنوها جميعاً، وهم يصيحون بكلمات الشوق لها،
ووصلت آمال كعادتها متعبة من حملها الثقيل، وهي تقول : ما هذا قد نقص وزنك كثيرا ، لكن لا تحلمي بأن تعملي رجيم بوجودنا،
مريم : ( وهي تضحك ) ابدا لا اقوم بأي رجيم، لكن لا يوجد لدي شهية ، الأن بوجودكم أظن اني سأكل كل ما في البيت.
المسافة طويلة ما بين المطار والمنزل، نصف ساعة،
في السيارة كان حديث الاطفال ممتع للغاية، مما جعل النسوة ينصتن لهم، ولكن مريم تلاحظ كلاماً كثيراً في عيني صديقتها، فهذا لقائهما الاول منذ انفصال مريم عن زوجها، في عينيها لوم كبير، ومريم تعرف كم تحترق صديقتها من الداخل عليها، وكم تشتاق ان يصلوا الى المنزل ويذهب الاطفال للعب ومن ثم تجلس تتحدث مع صديقتها،
ما إن وصلوا المنزل حتى علا صوت آمال
آمال : ما هذا لا حول ولا قوة الا بالله
وهنا تنبهت مريم ، الى أنها قامت بوضع زينة عيد الهلويين، على مدخل منزلها وزينت كل المكان، فعيد الهلويين هذا يقوم فيه الأطفال بالقدوم الى المنازل طالبين الحلوى، ويكونوا قد لبسوا ملابس تنكرية، أغلبها يكون ملابس رعب، لأن هذا العيد ارتبط بالأشباح والأرواح الشريرة، وايضا الأرواح البريئة التي قتلت غدراً ، فهي تأتي في هذا اليوم لتذكر الناس بانها موجودة، ويوم هذا العيد هو 31 اكتوبر من كل سنة، ويقوم الناس بالتحضير له قبل شهر من قدومه، وطبعاً هو عيد لا يقوم المسلمين بالاحتفال به، ويعتبرونه كفراً، لكن مريم تحب ان تزين منزلها تقليداً لجيرانها، ومن باب ان يعرف الاطفال ان يأتوا اليها ليطلبوا الحلوى،
مريم بصوت خافت: ما هذه الا زينة، فقط ليعرف الأطفال الذين يأتوا اني سأمنحهم الحلوى
آمال وبحدة: نعم!!!!!!!! اليوم نقول ما هذه الا زينة ، وغداً تصبح عادة، وبعدها تصبح عقيدة، هل يقوم جيرانك بالاحتفال بعيد الاضحى مثلنا او بعيد الفطر، او برمضان !!!!
آمال تعتبر ان لها حق في صديقتها، وعليها تقويمها ان اخطأت ، قامت بنزع كل الزينة ، ولم تقم مريم بقول أي كلمة، فقط إغرورقت عيناها بالدموع، وقالت في عقلها: كم أحتاج اليك يا آمال معي، لو انك هنا بقربي يوماً بيوم لتغير كثيراً حالي.
دخل الجميع الى المنزل، وكالعادة قام الاطفال مباشرة بالتوجه الى غرفة اللعب التي يعرفونها جيداً، وقد قامت مريم بشراء منزلا للألعاب جديد يتسع للفتيات اللواتي بدأن يكبرن على المنزل الصغير الذي احضرته منذ سنتين، وقامت بشراء سيارات جديدة ليلعب بها احمد ابن آمال الصغير، فهو يعشق هاته السيارات، لكنه يرفض ان يلعب بسيارات خالد، لذلك لديه سياراته الخاصة،
وكعادة آمال قامت برفع كثير من التحف التي ظنت مريم انه لا داعي لأن ترفعها ، فآطفال آمال قد تربو تربية عالية جداً ولن يقوموا بإفساد اي شيئ
كانت مريم مع الاطفال في غرفة اللعب، لكنها توجهت الى صالة الضيافة لتساعد صديقتها برفع التحف التي تصر على رفعها، لم تلحظ آمال دخول صديقتها، ورأتها مريم تتعمد اسقاط ذلك التمثال الذي تحاول دائما اقناع مريم بالاستغناء عنه، فقد كانت مريم تقوم بإخفائه قبل قدوم صديقتها لكن هاته المرة نسيت،
لم تقل مريم شيئاً، ولم تخبر صديقتها بأنها رأتها تتعمد اسقاط التمثال الصغير،
فدخلت وقالت وهي تضحك: لا عليك، لو كان زيوس هذا فعلا إلاه الاغريق لما وقع وانكسر،
طبعا مريم تقتني هاته التحف فقط من باب انها تحب الاساطير اليونانية، وليس من باب الايمان فيها، لكن آمال تحاول دوماً الابتعاد عن الشبهات، واقتناء مثل هذا التمثال تعتبر آمال انه حرام، طالما أن هناك من يعتبره إلاهاً.
مريم : يا عزيزتي اطفالك لن يقوموا بكسر شيئ هنا، لماذا لا تتركي كل شي كما هو
آمال وكعادتها بصوتها العالي وبأسلوب المعلمة القوية : سنقيم عندك أسبوع ولا أريد ان أبقى أسبوعا كاملاً على أعصابي.
مريم : حسناً
آمال: سأذهب لأستحم واتوضأ للصلاة، ولا تقومي بعمل شيئ قبل ان آتي فأنا احب ان اطبخ بيدي،
هذه هي آمال، تحب ان تقوم هي بكل شيئ، ومريم تعرف جيداً انها تريد ان تفحص كل المواد الغذائية، وما كتب عليه، لتتأكد من ان كل شيئ حلال قدر المستطاع،
آمال : هيا يا عصافيري لنصلي،
تمنت مريم لو أن خالداً معها الآن ليتعلم من آمال، فهو يحبها كثيراً ومتعلق بها، لأنها الوحيدة التي لا تستطيع مريم ان تواجهها ، فآمال دائماً على صواب، لكنه لن يأتي هذا الاسبوع، وكم تمنت آمال لو أنها تستطيع أن تكون بعقل وتدين آمال، التي تمثل بنظرها المرأة المسلمة بحق،
تجلس آمال قليلاً بعد صلاتها لتقرأ القرآن وترتله هي وأبنائها، وطبعاً جلست مريم معهم،
بعد صلاة













